الشوكاني
193
فتح القدير
سورة النحل الآية ( 101 - 105 ) . هذا شروع في ترغيب كل مؤمن في كل عمل صالح . وتعميم للوعد ، ومعنى ( من عمل صالحا ) من عمل عملا صالحا أي عمل كان ، وزيادة التمييز بذكر أو أنثى مع كون لفظ " من " شاملا لهما لقصد التأكيد والمبالغة في تقرير الوعد ، وقيل إن لفظ " من " ظاهر في الذكور ، فكان في التنصيص على الذكر والأنثى بيان لشموله للنوعين وجملة ( وهو مؤمن ) في محل نصب على الحال . جعل سبحانه الإيمان قيدا في الجزاء المذكور لأن عمل الكافر لا اعتداد به لقوله سبحانه - وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا - ثم ذكر سبحانه الجزاء لمن عمل ذلك العمل الصالح فقال ( فلنحيينه حياة طيبة ) وقد وقع الخلاف في الحياة الطيبة بماذا تكون ؟ فقيل بالرزق الحلال ، وروى ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والضحاك . وقيل بالقناعة ، قاله الحسن البصري وزيد بن وهب ووهب بن منبه . وروى أيضا عن علي وابن عباس . وقيل بالتوفيق إلى الطاعة قاله الضحاك . وقيل الحياة الطيبة هي حياة الجنة ، روى عن مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم . وحكى عن الحسن أنه قال : لا تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة ، وقيل الحياة الطيبة هي السعادة ، روى ذلك عن ابن عباس . وقيل هي المعرفة بالله ، حكى ذلك عن جعفر الصادق . وقال أبو بكر الوراق : هي حلاوة الطاعة . وقال سهل بن عبد الله التستري : هي أن ينزع عن العبد تدبير نفسه ويرد تدبيره إلى الحق . وقيل هي الاستغناء عن الخلق والافتقار إلى الحق ، وأكثر المفسرين على أن هذه الحياة الطيبة هي في الدنيا لا في الآخرة ، لأن حياة الآخرة قد ذكرت بقوله ( ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) وقد قدمنا قريبا تفسير الجزاء بالأحسن ، ووحد الضمير في لنحيينه وجمعه في ولنجزينهم حملا على لفظ من ، وعلى معناه . ثم لما ذكر سبحانه العمل الصالح والجزاء عليه أتبعه بذكر الاستعاذة التي تخلص بها الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية فقال ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) والفاء لترتيب الاستعاذة على العمل الصالح ، وقيل هذه الآية متصلة بقوله - ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ - والتقدير : فإذا أخذت في قراءته فاستعذ . قال الزجاج وغيره من أئمة اللغة : معناه إذا أردت . أن تقرأ القرآن فاستعذ وليس معناه استعذ بعد أن تقرأ القرآن ، ومثله : إذا أكلت فقل بسم الله . قال الواحدي : وهذا إجماع الفقهاء أن الاستعاذة قبل القراءة ، إلا ما روى عن أبي هريرة وابن سيرين وداود ومالك وحمزة من القراء فإنهم قالوا : الاستعاذة بعد القراءة ، ذهبوا إلى ظاهر الآية ، ومعنى فاستعذ بالله : أسأله سبحانه أن يعيذك من الشيطان الرجيم : أي من وساوسه ، وتخصيص قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة بالاستعاذة عند إرادتها للتنبيه على أنها لسائر الأعمال الصالحة عند إرادتها أهم ، لأنه إذا وقع الأمر بها عند قراءة القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه